كم من الحرية ّ؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

أفق آخر

كم من الحرية ّ؟

ابحث في اسم الكاتب

تاريخ النشر: 01/09/2018

خيري منصور

هناك عبارتان شهيرتان للروائي الراحل يوسف إدريس لم يكن حظهما في البقاء أقل من حظ رواياته وقصصه ومسرحه؛ الأولى هي أن كل ما كتبه كان حقيقياً؛ لكنه لا يعرف الحقيقة كلها، والثانية أن الممنوح من مساحة الحرية للمثقف العربي لا يكفي لكتابة مقالة واحدة، ما يضطر الكتّاب إلى اللجوء للتعبيرات المجازية، والتي تتيح مجالات لا آخر لها للتأويل.
وقد أدى الإفراط في استخدام الاستعارات والمجازات إلى تشكل خطاب ثقافي مُثقل بالاستدراكات، وأخطر ما في تركيبة هذا الخطاب أنه يتيح لصاحبه ادخار احتياطي؛ بحيث يجد مخرجاً في حالة الوقوع في أزمة، خصوصاً في زمن تسلط الرقابة وتفاقم الشك المتبادل بين كل الأطراف؛ لأن هناك نسبة مئوية محددة لتلوث المناخات الفكرية، ما إن يتم تخطيها في مرحلة ما حتى يصبح الجميع متهمين إلى أن يثبتوا براءتهم. فالآخرون يصبحون جحيماً كما وصفهم سارتر؛ عندما تتحول الريبة إلى وباء.
ورغم أن الحرية شعار مقدس في كل الثقافات، إلا أن ما اقترف باسمها من جرائم كما هو الحال في الديموقراطية، أنزلها من عليائها وقداستها؛ لتصبح نشاطاً بشرياً أرضياً. وحين وقفت الحرية في عصرنا عارية، وأصبح لها باب بكل يد حمراء يُدقّ لم يعد ممكناً العودة إلى الماضي، فمن عرف الكثير لن يرضيه القليل، ومن تذوق طعم استقلال الذات لن يرضى بأقل مما يستحق، والحرية التي تعي حدودها لديها من الدفاعات والإدراك ما يحصنها ضد هذا الانزلاق إلى الفوضى. ومعظم التجارب التي فشلت قدر تعلقها بالحرية كان السبب هو هذا الخلط، خصوصاً بعد أن تخيل البعض من محدثي النعمة في التحرر أن لهم الحق في قول وفعل ما يريدون، وأحياناً تنتج مثل هذه الثقافات الأشبه بالباقات الملفقة على طريقة من كل حقل شوكة أو وردة وتصاب البوصلة بالعطب؛ بحيث يتنازع على السلطة من يغرقون تماماً وهم لا يعلمون ! وأحياناً يكون الغلو في طرح شعارات معينة بمثابة تسديد مديونيات تراكمت خلال قرون من الصمت القسري والاغتراب !

[email protected]

0 تعليق