انسداد أفق مسار التفاوض المناخي

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مقالات

انسداد أفق مسار التفاوض المناخي

ابحث في اسم الكاتب

تاريخ النشر: 01/07/2018

د. محمد الصياد

في اجتماع بون لم تحرز أطراف التفاوض تقدماً لافتاً لا فيما يتعلق بصندوق المناخ الأخضر، ولا فيما يتعلق بتعزيز الوضع المؤسسي والتمويلي لصندوق التكيف الذي نال صفة المؤسسة الرسمية التابعة لاتفاق باريس.
نزعم أن السبب الجوهري الحاسم لتعثر مفاوضات اجتماع بون التحضيري الذي انعقد على مدار عشرة أيام في شهر مايو/أيار الماضي (8-18 مايو 2018)، والذي يسبق عادة انعقاد مؤتمر الأطراف السنوي (مؤتمر الأطراف الرابع والعشرون سيعقد هذا العام في مدينة كاتوفيتسه (Katowice) البولندية خلال الفترة من 3-14 ديسمبر/كانون الأول 2018) - يكمن في تحويل الوثيقة التي تم التوصل إليها في باريس نهاية عام 2015، من بروتوكول أو برنامج تنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC) الى اتفاقية بذاتها لتزيح مع الوقت الاتفاقية الإطارية. كان المفترض، بعد أن انتهاء مدة سريان بروتوكول كيوتو في ديسمبر 2012، أن يصار إلى تمديد فترة سريانه وتعديل نطاقها، حتى وإن اقتضى الأمر مد تغطيته الإلزامية بالتخفيف (خفض الانبعاثات) لتشمل كافة الدول الأعضاء في الاتفاقية الإطارية، وعدم قصرها على الدول المتقدمة كما هو منصوص عليه في بروتوكول كيوتو.
ولكن، أزعم مرة أخرى، أن الدول النامية، ممثلة في «مجموعة ال 77+الصين»، قد ارتكبت خطأً تفاوضيا استراتيجيا، بمسايرتها لتكتيكات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي ظلت تدفع على مدار حوالي عشرين عاما (منذ إبرام بروتوكول كيوتو في عام 1997)، باتجاه إنشاء وثيقة جديدة تحل محل البروتوكول بعد انتهاء مدة سريانه، وكان في ذهنها (الدول المتقدمة)، إنشاء اتفاقية جديدة وليس برتوكولاً جديداً. والقصد هو التخلص من كل الأسس والمبادئ المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، وكأمر واقع التخلص من الاتفاقية نفسها بركنها جانبا من دون الحاجة لإصدار شهادة وفاة لها. فلا غرو اليوم أن يدفع الاتحاد الأوروبي نحو التركيز على اتفاق باريس والعمل بشتى السبل التفاوضية الماكرة لتغييب ذكر الاتفاقية الإطارية.
خذ مثلاً موضوع تعويض الدول عن الخسائر والأضرار (Loss and Damage) الذي نصت عليه المادة (8) من اتفاق باريس، بما يشمل التعاون في مجالات أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للطوارئ والتغيرات الطبيعية المزمنة وغير ذلك. في اجتماع بون الأخير رفضت الدول المتقدمة تضمينه «دليل قواعد العمل» (Rulebook)، الذي سيكون الدليل التشغيلي العملي والتقني لتنفيذ اتفاقية باريس، والذي يراد له بالمناسبة أن يكون بمثابة البروتوكول التنفيذي لاتفاق باريس لتغير المناخ. فيصبح اتفاق باريس هو الاتفاقية الأم (التي تستبدل عمليا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ)، وأن يكون «دليل قواعد العمل» هو البروتوكول الذي سيحل محل بروتوكول كيوتو. وقصارى القول في المفاوضات والمجادلات التي دارت حول هذا الموضوع (الخسائر والأضرار)، أنه يتعلق أساسا بالتمويل، والدول المتقدمة ترفض مثل هذه المقاربة وتقترح مقاربات فنية من بينها الدخول في «بزنس» التأمين ضد الكوارث، وهو ما ترفضه الدول النامية المعنية بهذه المخاطر، حتى الآن. وهذا يحيلنا الى الموضوع رقم واحد في المفاوضات، ليس بالنسبة للدول المتقدمة بطبيعة الحال التي لا تود رؤيته على أجندات المفاوضات، وإنما بالنسبة للدول النامية التي قايضته في اتفاق باريس بقبولها، المشروط عمليا، بأخذ التزامات بالتخفيف (خفض الانبعاثات). في اجتماع بون لم تحرز أطراف التفاوض تقدما لافتا لا فيما يتعلق بصندوق المناخ الأخضر الذي تلقى ضربةً بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لن يسمح للولايات المتحدة بعد الآن بأن تكون متبرعًا لهذا المرفق المالي العالمي، ولا فيما يتعلق بتعزيز الوضع المؤسسي والتمويلي لصندوق التكيف الذي نال بعد جهد جهيد وضغوط بالغة من جانب بعض الدول النامية في مجموعة 77+الصين، صفة المؤسسة الرسمية التابعة لاتفاق باريس. إذ اتجهت الرغبة المضمرة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لإنهاء ولاية الصندوق باعتباره جزءاً من بروتوكول كيوتو الذي انتهت مدة سريان مفعوله نهاية عام 2012. وعلى عكس موضوع التمويل، فإن الاتحاد الأوروبي (الذي يتمتع بالمناسبة بوضعية الكتلة الاقتصادية في المفاوضات)، دفع بحماس في اجتماعات بون، بمؤازرة الدول الجزرية، لوضع قواعد وآليات إشراف ومتابعة صارمة فيما يتعلق بموضوع أسواق الكربون. وقد تم تأجيل التوافق بشأن نقاط الخلاف بين الطرفين (الاتحاد الأوروبي والدول الجزرية من جهة، والدول النامية من جهة ثانية) الى اجتماع بانكوك. وبخلاف هذا الاجتماع، فإنه من الآن وحتى انعقاد مؤتمر الأطراف القادم في بولونيا نهاية العام الجاري، تزدحم الأجندة العالمية للمناخ بعديد الاجتماعات والمؤتمرات لعل أبرزها القمة العالمية للعمل المناخي في كاليفورنيا خلال الفترة من 12-14 سبتمبر/أيلول، واجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة وأسبوع المناخ في نيويورك خلال الفترة من 18-30 سبتمبر، وإطلاق التقرير الخاص للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ بشأن ارتفاع درجة الحرارة بواقع 1.5 درجة بنهاية القرن في 8 أكتوبر/تشرين الأول، وقمة مجموعة العشرين في الأرجنتين خلال الفترة من 30 نوفمبر/تشرين الثاني الى 1 ديسمبر/كانون الأول.
كل هذا لن يفيد في ظل الإصرار الأوروبي، ومعه الأمريكي الذي ما زال يمارس كامل حقوقه التفاوضية كعضو في الاتفاقية الأم، على تغييب المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقية، إن لم يكن تغييب الاتفاقية بمجملها.

0 تعليق